سياسة

“مجلس الشيوخ”.. بوابة الخروج من أسر الطوائف إلى الدولة المدنية

د. هشام الأعور

لم تعد أزمة الوطن كامنة في تنوّعه الديني أو الطائفي، فهذا التنوّع كان يمكن أن يكون مصدر غنى وقوة. المعضلة الحقيقية بدأت يوم تحوّل هذا التنوّع إلى نظام حكم دائم، يقوم على تقاسم السلطة والنفوذ، ويُدار بمنطق الحصص لا بمنطق الدولة. عندها، تراجعت المواطنة، وتقدّمت الطائفة، واختُزل الإنسان بهويته المذهبية بدل أن يُقاس بقدراته وكفاءته.
على مدى عقود، نشأت دولة موازية داخل الدولة؛ شبكة مصالح وزعامات طائفية تُمسك بمفاصل القرار، وتعيد إنتاج نفسها عبر المحاصصة. الوظيفة العامة لم تعد حقًا مبنيًا على الجدارة، بل مكافأة سياسية. والخدمات لم تعد واجبًا على الدولة، بل أداة ولاء. في هذا الواقع، صار السؤال الضمني الذي يلاحق المواطن: «من تمثّل؟» لا «ماذا تستطيع أن تُنجز؟».
هذا النموذج لم يفشل فقط في بناء دولة عادلة، بل استنزف طاقات المجتمع، وخصوصًا شبابه. الكفاءات هاجرت أو أُحبطت، فيما بقيت المواقع رهينة الانتماء لا الاستحقاق. وهكذا، تآكل مفهوم الانتماء الوطني، وتكرّس شعور عام بأن الدولة ليست للجميع، بل لمن يملك غطاءً طائفيًا أقوى.
من هنا، لا يمكن الحديث عن دولة مدنية بوصفها شعارًا إنشائيًا أو ترفًا فكريًا. الدولة المدنية اليوم ضرورة وجودية، شرط بقاء الوطن نفسه. دولة تفصل بين الدين وإدارة الحكم، لا لتقصي الإيمان، بل لتحميه من الاستغلال، ولتحمي الدولة من التحوّل إلى غنيمة مذهبية. دولة تُدار بمؤسسات، لا بزعامات، وبالقانون لا بالأعراف الطائفية.
غير أن الانتقال من دولة الطوائف إلى دولة المواطنين لا يتمّ بالقفز في المجهول، ولا بإلغاء الهواجس دفعة واحدة. هنا تبرز أهمية استحداث مجلس الشيوخ كحلّ توافقي ومرحلي، يشكّل الجسر الضروري بين الواقع الطائفي والدولة المدنية المنشودة.
مجلس الشيوخ ليس تكريسًا للطائفية، بل آلية لتنظيمها تمهيدًا لتجاوزها. هو الإطار الذي تُناقش داخله القضايا المصيرية والهواجس الوجودية للجماعات، خارج مجلس النواب. وبذلك، يُحرَّر البرلمان ليصبح مساحة سياسية وطنية خالصة، يُنتخب على أساس غير طائفي، وتكون المنافسة فيه بين البرامج والكفاءات، لا بين المذاهب.
بهذا الفصل الوظيفي، تتحقق معادلة دقيقة:
تطمين المكوّنات عبر مجلس الشيوخ، وبناء المواطنة عبر مجلس النواب.
حماية التنوّع دون شلّ الدولة، وصون الخصوصيات دون نسف العدالة.
إن استحداث مجلس الشيوخ هو المدخل الدستوري والعملي للدولة المدنية، لأنه ينقل الصراع من الشارع والطوائف إلى المؤسسات، ويضع حدًا لاستخدام الهواجس ذريعة لتعطيل الإصلاح. من دونه، تبقى الدعوة إلى الدولة المدنية معلّقة بين الخوف والرفض، ومن خلاله تصبح مشروعًا قابلًا للحياة.
قد يكون الطريق طويلًا، لكن بدايته واضحة: الاعتراف بأن النظام الحالي وصل إلى نهاياته، وأن الخروج من الانقسام لا يكون بتكريسه، بل بتنظيمه تمهيدًا لتجاوزه. إما أن نمتلك شجاعة الانتقال المنظّم إلى دولة المواطنة، أو نبقى أسرى حلقة مفرغة، يتبدّل فيها اللاعبون وتبقى الخسارة واحدة: خسارة الوطن.
الدولة المدنية ليست حلمًا مؤجّلًا، بل خيارًا مصيريًا. ومجلس الشيوخ هو مفتاح هذا الخيار، إن أحسنا استخدامه.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى